إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
238
زهر الآداب وثمر الألباب
أوفت عليها وزادت ، حتى كاد غيثها يعود عيثا « 1 » ، وهمّ وبلها أن يستحيل ويلا فصبرنا على أذاها ، وقلنا : سحابة صيف عما قليل تقشّع ، فإذا نحن بها قد أمطرتنا بردا كالَّثغور ، لكنها من ثغور العذاب ، لا من الثغور العذاب ، فأيقنّا بالبلاء ، وسلَّمنا لأسباب القضاء ؛ فما مرت إلا ساعة من النهار ، حتى سمعنا خرير الأنهار ، ورأينا السّيل قد بلغ الزّبى « 2 » ، والماء قد غمر القيعان والرّبى « 3 » ؛ فبادرنا إلى حصن القرية لائذين من السّيل بأفنيتها ، وعائذين من القطر بأبنيتها ، وأثوابنا قد صندل كافوريّها ماء الوبل ، وغلَّف طرازيّها طين الوحل ، ونحن نحمد اللَّه تعالى على سلامة الأبدان ، وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان ، ونشكره على سلامة الأنفس والأرواح ، شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح ؛ فبتنا تلك الليلة في سماء تكف ولا تكفّ « 4 » ، وتبكى علينا إلى الصباح بأدمع هوام « 5 » ، وأربعة سجام ؛ فلما سلّ سيف الصبح من غمد الظلام ، وصرف بوالى الصحو عامل الغمام ، رأينا صواب الرأي أن نوسع الإقامة بها رفضا ، ونتخذ الارتحال عنها فرضا ؛ فما زلنا نطوى الصحارى أرضا فأرضا ، إلى أن وافينا المستقر ركضا ؛ فلما نفضنا غبار ذلك المسير ، الذي جمعنا في ربقة الأسير ، وأفضينا إلى ساحة التيسير ، بعد ما أصبنا بالأمر العسير ، وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقّة ، في قطع ذلك الطريق وطىّ تلك الشّقة ، أخذ الأمير السيد - أطال اللَّه بقاءه ! - القلم فعلق هذه الأبيات ارتجالا : دهتنا السماء غداة السّحاب بغيث على أفقه مسبل فجاء برعد له رنّة كرنّة ثكلى ولم تثكل
--> « 1 » العيث : الفساد « 2 » الزبى جمع زيبة ، وهي الرابية لا يعلوها ماء « 3 » القيعان : جمع قاع ، والربى : جمع ربوة « 4 » تكف : تسيل ، وتكف : تمتنع « 5 » هوام : جمع هامية ، وسجام : جمع ساجمة ، أي ممطرة